حين كانت المدرجات تهتز عشقا.. حسام سوبا يعيد فتح ذاكرة المريخ
من زحام المدرجات إلى سكون المستطيل الأخضر، ومن ضوء الغروب إلى صخب الليالي الكروية، تستعيد عدسة المصور حسام سوبا ملامح زمن عاش فيه المريخاب كرة القدم بكل ما تحمله من شغف وانتماء وذكريات لا تغادر الوجدان.
هناك صور لا تحتاج إلى تاريخ مكتوب أسفلها، ولا إلى تعليق يشرح تفاصيلها. يكفي أن تقع عليها عينا مشجع مريخي حتى تستيقظ في داخله حكايات المدرجات، وأصوات الهتاف، وتلك اللحظات التي كان فيها الذهاب إلى الاستاد حدثا ينتظره الناس بشغف لا يقل عن انتظار المباراة نفسها.
هذا بالضبط ما تفعله المشاهد التي وثقتها عدسة المصور حسام سوبا، والتي تستحق أن تجد مكانها في ذاكرة الكرة السودانية عموما، والوجدان المريخي على وجه الخصوص. فهي ليست مجرد مشاهد لملاعب ومدرجات وجماهير، بل شواهد بصرية على حياة كروية كاملة، بأفراحها وانكساراتها، وهتافاتها، وطقوسها التي التصقت بالذاكرة.
في هذه اللقطات تتجلى روح الملاعب السودانية، حيث تتجاور وجوه المشجعين، وتزدحم المدرجات بالعاشقين، وتختلط أصوات الجماهير بالترقب والفرح والانفعال. مشاهد تعيد إلى المريخاب ذكريات أيام كان الحضور إلى الاستاد جزءا من تفاصيل الحياة، وكانت المباريات الكبيرة موعدا لا يقبل الغياب.
المريخ.. حين كان المدرج وطنا آخر
تأمل تلك المدرجات المكتظة بالجماهير، والصفوف المتراصة التي لا تكاد تجد بينها موطئ قدم، والمشجعين الذين اختار بعضهم الجلوس على الحواف والأسوار، بحثا عن زاوية تتيح لهم متابعة ما يجري داخل المستطيل الأخضر.
وجوه مختلفة، وأعمار متباينة، وظروف اجتماعية متعددة، لكنها جميعا تلتقي عند شغف واحد. هناك لا تسأل من يجلس إلى جوارك عن مهنته أو مكانته أو ظروف حياته، فالانتماء وحده يكفي ليصنع لغة مشتركة بين آلاف الغرباء.
في تلك المشاهد تختبئ تفاصيل يعرفها كل من عاش أجواء المباريات الكبيرة: مشقة الوصول إلى الاستاد، والبحث عن مقعد، والانتظار الطويل، والأحاديث التي تبدأ قبل صافرة البداية ولا تنتهي حتى بعد مغادرة المدرجات.
لم تكن الرحلة إلى الملعب مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم، بل كانت يوما كاملا من المشاعر والرفقة والتوتر والفرح والانتماء. وكانت للمباريات طقوسها الخاصة، من التجمعات التي تسبقها إلى النقاشات التي تستمر بعدها، مهما كانت النتيجة.
كان المريخ بالنسبة إلى جماهيره أكبر من فريق يرتدي الأحمر والأصفر. كان حكاية تتوارثها الأجيال، وموعدا تلتقي فيه القلوب، وذاكرة جماعية تحفظها المدرجات قبل أن تحفظها دفاتر التاريخ.
القلعة الحمراء.. ذاكرة المجد والانتصارات
حين يرد ذكر المريخ، تحضر القلعة الحمراء بكل ما ارتبط بها من أمجاد وذكريات. هناك عرف الجمهور معنى أن يكون للملعب صوت، وللمدرج تأثير، وللقميص الأحمر والأصفر هيبة صنعتها أجيال متعاقبة من اللاعبين والمشجعين.
ومن بين صفحات التاريخ المريخي، يظل التتويج بكأس الكؤوس الأفريقية عام 1989 علامة بارزة في مسيرة النادي، وشاهدا على مرحلة كتب فيها المريخ اسمه ضمن أصحاب الألقاب القارية.
غير أن أمجاد المريخ لا تختصر في الكؤوس وحدها. فهناك مباريات ظلت حاضرة في الوجدان، وأهداف لم تغادر الذاكرة، ولاعبون توقفوا عن الركض داخل المستطيل الأخضر، لكن أسماءهم بقيت تتردد على ألسنة الجماهير.
وهناك أيضا جمهور صنع من الحضور عادة، ومن التشجيع رسالة وفاء، ومن المدرجات مساحة للتعبير عن عشقه للنادي الذي ارتبطت به تفاصيل حياته.
ولهذا تبدو مشاهد الجماهير في صور حسام سوبا امتدادا لذاكرة أكبر من حدود الملعب. إنها تذكرنا بالبيئة التي صنعت تلك الأمجاد، وبالوجوه التي شهدت الانتصارات، وتحملت الانكسارات، وظلت متمسكة بانتمائها مهما تغيرت الظروف.
قد تنتهي المباراة بصافرة حكم، لكن حكايتها في قلب المشجع قد تعيش عمرا كاملا.
بين المدرجات الممتلئة والمقاعد الخالية
من أكثر ما يلفت النظر في مجموعة حسام سوبا ذلك التباين اللافت بين المشاهد. ففي لقطة، مدرجات تضيق بالحشود، وأجساد متلاصقة، ووجوه تتابع الحدث باهتمام بالغ.
وفي مشهد آخر، ملعب هادئ، ومقاعد حمراء وصفراء تنتظر القادمين، وعشب أخضر يمتد تحت ضوء النهار، كأن المكان يحتفظ في صمته بأصوات من مروا عليه، وبحكايات الذين جلسوا على مقاعده يوما.
ثم يأتي المشهد الليلي، حيث تنير الكشافات المستطيل الأخضر، وتحيط به آلاف الوجوه، فتعود إلى الذاكرة أجواء المباريات الكبيرة، حين كانت الأنظار تتجه إلى الملعب، والقلوب تتعلق بكل هجمة، والأصوات ترتفع مع كل فرصة تقترب من المرمى.
وفي زاوية أخرى تقف شباك المرمى في مقدمة المشهد، بينما تتراجع المدرجات إلى الخلف، لتفتح أمام المشجع أبوابا من الذكريات؛ أهداف احتفل بها، وفرص تحسر عليها، ومباريات بقيت حديث المجالس سنوات طويلة.
أما المشاهد التي تظهر فيها أرضية الملعب بألوانها الخضراء، والمدرجات الممتدة حولها، فتحكي عن العلاقة الوثيقة بين المكان والإنسان، وعن كرة القدم بوصفها جزءا من الحياة الاجتماعية السودانية، لا مجرد منافسة رياضية.
المقعد الخالي قد يعيد إلى الذاكرة صديقا كان يجلس إلى جوارك، والمدرج المكتظ قد يذكرك بهتاف رددته حتى فقدت صوتك، والمرمى قد يستحضر هدفا احتفلت به وكأنك أنت من أحرزه.
حين تصبح المدرجات شاهدا على الزمن
للملاعب ذاكرة لا تقل ثراء عن تاريخ الأندية التي لعبت فوق أرضيتها. فكل مدرج احتضن آلاف الحكايات، وكل بوابة مرت عبرها أجيال من المشجعين، وكل مقعد شهد لحظات فرح وانتظار وانفعال يصعب اختصارها في كلمات.
في الملاعب السودانية ارتبطت كرة القدم بحياة الناس اليومية. كانت المباريات مناسبة للقاء الأصدقاء، وتجديد العلاقات، ومناقشة أحوال الفرق، وتبادل التوقعات التي كثيرا ما كانت تنتهي بمفاجآت لم تخطر على البال.
ومن هنا تأتي أهمية هذه المشاهد المصورة. فهي لا توثق شكل المنشآت الرياضية فحسب، وإنما تحفظ جانبا من السلوك الجماهيري، وثقافة التشجيع، وعلاقة الإنسان السوداني بالملاعب التي شكلت جزءا من ذاكرته.
حسام سوبا.. حين تصبح الكاميرا شاهدا على ذاكرة الجمهور
للمصور الرياضي دور يتجاوز تسجيل الأهداف والاحتفالات. فاللاعبون تحتل أسماؤهم عناوين الأخبار، والمدربون تتصدر تصريحاتهم الصفحات، والنتائج تجد طريقها إلى السجلات، لكن كثيرا من التفاصيل التي تصنع أجواء كرة القدم لا يحتفظ بها إلا المصور.
وعدسة حسام سوبا التفتت إلى هذه المساحة المهمة من المشهد الرياضي. فلم تتوقف عند المستطيل الأخضر وحده، بل امتدت إلى المدرجات، وحركة الجماهير، وتفاصيل الملاعب، وتحولات المشهد بين النهار والمساء، وبين صخب الحشود وهدوء المقاعد الخالية.
في صوره حضور واضح للإنسان والمكان معا، وتلك قيمة توثيقية تستحق الاهتمام، خصوصا في كرة القدم السودانية التي تحتاج إلى أرشيف بصري يحفظ تاريخ ملاعبها وجماهيرها، ويتيح للأجيال الجديدة التعرف على تفاصيل أزمنة لم تعشها.
واللافت في هذه المجموعة أنها لا تحاول اختصار كرة القدم في نتيجة مباراة، ولا تختزل المريخ في لحظة انتصار أو مشهد احتفال. بل تمنح كل مشجع فرصة لاستعادة حكايته الخاصة مع النادي، ومع المكان الذي عرف فيه معنى الانتماء والتشجيع.
قد يتوقف أحدهم عند صورة المدرجات فيتذكر رفيق سنوات مضت، وقد يستعيد آخر هتافا لم يسمعه منذ زمن، بينما يرى ثالث في صورة الملعب ذكرى مباراة لا تزال حاضرة في وجدانه رغم مرور السنوات.
النتائج تحفظها السجلات، والبطولات يسجلها التاريخ، أما الوجوه والهتافات وتفاصيل المدرجات، فتحفظها العدسات التي تدرك قيمة اللحظة.
ما غاب عن العين لم يغب عن القلب
تغيرت الأيام، وتبدلت ظروف كرة القدم السودانية، وابتعد كثير من المشجعين عن الملاعب التي اعتادوا زيارتها، لكن الذاكرة المريخية ما زالت تحتفظ بصوت المدرجات، ورائحة العشب، وضوء الكشافات، وأحاديث الأصدقاء قبل المباريات.
ولعل أجمل ما تمنحه هذه الصور أنها تعيد للمشجع شيئا من تلك الأيام، ولو للحظات قليلة. فهي تفتح نافذة على زمن كانت فيه تفاصيل المباراة تبدأ قبل الوصول إلى الاستاد، وتمتد إلى ما بعد العودة إلى المنزل.
فمن عاش المريخ في المدرجات يعرف أن أجمل الذكريات ليست بالضرورة تلك التي انتهت برفع كأس. أحيانا تكون ذكرى مباراة حضرتها مع صديق، أو هدف شاهدته من مكان بعيد، أو أمسية عدت منها إلى منزلك مبحوح الصوت، سعيدا فقط لأنك كنت هناك.
وقد يتغير كل شيء من حولنا، وتتبدل الوجوه والمقاعد والظروف، لكن بعض الذكريات تظل محتفظة بقدرتها على إعادة المشاعر كما لو أن الزمن لم يمض.
توثيق يستحق الاحتفاء
إن الجهد الذي يقدمه المصور حسام سوبا في توثيق المشاهد الرياضية والجماهيرية يستحق التقدير والاهتمام. فمثل هذه الأعمال تسهم في حفظ جانب من ذاكرة كرة القدم السودانية، وتعيد تقديم الملاعب والجماهير بصورة تجعل الماضي أقرب إلى الحاضر.
وتكمن أهمية هذا التوثيق في أن قيمته تتجاوز اللحظة التي التقطت فيها الصورة. فمع مرور السنوات تتحول المشاهد العادية إلى وثائق بصرية، تحمل تفاصيل المكان، وملامح الجمهور، وأجواء مرحلة كاملة.
ومن هذا المنطلق، فإن إبراز أعمال المصورين الذين يهتمون بتوثيق الملاعب والجماهير ليس مجرد إشادة بموهبة فنية، بل تقدير لجهد يسهم في حماية الذاكرة الرياضية من النسيان.
ستبقى أمجاد المريخ مكتوبة
في سجلات التاريخ،
لكن ذكرياته الحقيقية تسكن أيضا
في وجوه جماهيره ومدرجاته،
وفي الصور التي تحفظ
ما تعجز الكلمات عن استعادته.
قد تتغير الملاعب،
وتتبدل الأجيال،
وتغيب وجوه كانت تملأ المدرجات،
لكن عشق المريخ يظل حاضرا،
ينتقل من جيل إلى
توثيق الصور وحقوق المصور
جميع الصور المصاحبة للمقال من تصوير حسام سوبا | Husam Suba.
حساب المصور على تيك توك: @husam_suba
تقديرا لجهوده في توثيق الملاعب والجماهير السودانية، يمكن الاطلاع على المزيد من أعماله عبر حسابه.
زيارة حساب المصور حسام سوبا



