منذ سبتمبر ٢٠٢٥ لم يعد داركو نوفيتش مدرباً جديداً على المريخ. لم يعد في مرحلة التعرف على اللاعبين، ولا في فترة اكتشاف البيئة، ولا في خانة المدرب الذي يحتاج إلى عشر مباريات حتى يفهم فريقه. الرجل دخل زمناً كافياً للحكم عليه، وخاض عدداً كبيراً من المباريات بين الدوري الرواندي والدوري السوداني العام ودوري النخبة، ومع ذلك ما زال الخطاب الفني حوله يدور في نفس الدائرة: إعداد، تكتيك، بناء، انسجام، وحاجة إلى وقت.
هذه ليست دورة بناء. هذه دورة تهرب من المحاسبة.
وفق المعطيات المتاحة، داركو قاد المريخ منذ سبتمبر ٢٠٢٥، وخاض الفريق ٣٨ مباراة في الدوري الرواندي، ثم ٢٨ مباراة في الدوري العام ودوري النخبة السوداني. أي أننا لا نتحدث عن مدرب جاء قبل شهر، بل عن تجربة ممتدة بلغت ٦٦ مباراة محلية بين بيئتين تنافسيتين مختلفتين. فوق ذلك، خرج المريخ مبكراً من دوري أبطال إفريقيا، وهو ما ورد أيضاً في تغطية صحفية رواندية أشارت إلى أن داركو عُين في صيف ٢٠٢٥ وأن تجربته مع المريخ تضمنت الخروج من دوري الأبطال.
السؤال هنا ليس عاطفياً: ماذا حقق؟
بعد هذا العدد من المباريات، يجب أن تكون الإجابة واضحة. إما بطولة، أو تطور فني ظاهر، أو شخصية قوية في المواجهات الكبيرة، أو منظومة لعب يمكن الدفاع عنها، أو على الأقل مؤشرات مقنعة بأن الفريق يسير نحو مستوى أعلى. لكن الواقع أن المريخ لم يخرج من هذه الفترة بصورة فريق متقدم. خرج بأسئلة أكثر من الإجابات.
الفريق لعب كثيراً، لكن لم يتطور بما يكفي. تنافس طويلاً، لكنه لم يبنِ شخصية حاسمة. واجه اختبارات متعددة، لكنه لم يقدم أمام الفرق القوية ما يقول إن هناك مشروعاً فنياً صلباً. وهذه هي النقطة التي يجب الوقوف عندها: المشكلة ليست في عدد المباريات، بل في أثرها. المدرب الجيد لا يُقاس بأنه لعب ٦٦ مباراة، بل بما تغيّر بعد ٦٦ مباراة.
ما الذي تغيّر في المريخ؟
هل أصبح الفريق أكثر صلابة دفاعياً؟ لا توجد إجابة مقنعة.
هل صار الخروج بالكرة أكثر تنظيماً؟ الصورة ما زالت متقطعة.
هل أصبح الفريق قادراً على فرض أسلوبه أمام الفرق الكبيرة؟ لم يظهر ذلك بالقدر الكافي.
هل تطورت شخصية الفريق في المباريات الحاسمة؟ النتائج والأداء لا يقولان ذلك.
هل تمت محاسبة المدرب بعد الوداع الإفريقي المبكر؟ لا يبدو أن المحاسبة حدثت بالجدية المطلوبة.
هنا تظهر خطورة الانسحاب من سيكافا.
بطولة سيكافا ٢٠٢٦ لم تكن بطولة عادية في برنامج المريخ. CECAFA أعلنت أن النسخة تضم فرقاً مثل سيمبا وسغيدا بلاك ستارز من تنزانيا، والهلال والمريخ من السودان، وأن البطولة تمثل منصة إعداد أفضل قبل بطولات CAF التي تنطلق في سبتمبر. كما أوضحت FERWAFA أن البطولة تضم أسماء كبيرة من شرق ووسط إفريقيا، وأنها تمنح الأندية تحضيراً تنافسياً مهماً قبل المسابقات القارية.
إذن، لماذا يهرب مدرب خاض ٦٦ مباراة من اختبار مثل هذا؟
الإجابة الفنية القاسية أن داركو يعرف أن سيكافا كانت ستضع تجربته أمام المرآة. لم يكن سيواجه فرقاً هامشية. كان سيواجه فرقاً تملك نسقاً أعلى، وقدرة أفضل على الضغط، وخبرة في إدارة المباريات الكبيرة. أمام هذه النوعية من الخصوم، لا تنفع عبارات “نحتاج وقتاً” ولا “الفريق في طور البناء”. بعد ٦٦ مباراة، لا يحق للمدرب أن يطلب حماية من الامتحان.
أداء المريخ أمام الفرق القوية هو أصل الأزمة. الفريق لا يبدو مقنعاً عندما ترتفع جودة المنافس. يظهر التردد في بناء اللعب. تظهر المساحات بين الخطوط. يظهر ضعف التعامل مع الضغط العالي. تظهر هشاشة التحولات الدفاعية. وتظهر محدودية الحلول عندما لا يستطيع الفريق فرض إيقاعه. هذه ليست تفاصيل صغيرة؛ هذه هي العناصر التي تحدد قدرة الفريق على تجاوز تمهيدي الأبطال.
لهذا كان الانسحاب من سيكافا قراراً يخدم المدرب أكثر مما يخدم المريخ.
لو شارك المريخ في سيكافا وخرج من الدور الأول أو الثاني، فلن يكون ذلك مجرد إخفاق في بطولة إعدادية. كان سيصبح دليلاً إضافياً على أن تجربة داركو لم تصنع فريقاً قادراً على مواجهة الأقوياء. كان سيضع الإدارة أمام قرار مباشر: إما محاسبة المدرب، أو الاعتراف بأن النادي يدار بمنطق المجاملة الفنية. لذلك اختار المدرب الطريق الأقل خطورة عليه: معسكر مغلق، مباريات يمكن التحكم في مستواها، ونتائج يمكن تفسيرها حسب الحاجة.
الفارق بين المعسكر وسيكافا ليس في المكان. الفارق في المحاسبة.
في المعسكر، يستطيع المدرب أن يختار خصماً ضعيفاً، ثم يقول إن الهدف كان رفع الحمل البدني. يستطيع أن يخسر، ثم يقول إن النتيجة غير مهمة. يستطيع أن يفوز، ثم يبيع الفوز على أنه مؤشر تطور. أما في سيكافا، فهناك جدول، نتائج، تأهل، خروج، وجمهور يرى مستوى الفريق أمام فرق قوية. البطولة لا تمنح مساحة واسعة للتجميل.
المريخ هنا لا يخسر بطولة فقط. يخسر فرصة تقييم.
كان يمكن لسيكافا أن تكشف للإدارة هل داركو قادر على قيادة الفريق قارياً أم لا. كان يمكن أن تكشف هل الأجانب إضافة حقيقية أم أسماء على الورق. كان يمكن أن تكشف هل الفريق يملك عمقاً كافياً أم لا. كان يمكن أن تكشف هل خط الدفاع قادر على الصمود أمام مهاجمين أقوياء، وهل المحاور يستطيعون حماية العمق، وهل الفريق يملك ردة فعل عند التأخر.
لكن الانسحاب أغلق هذا الباب، وفتح باباً أخطر: دخول موسم إفريقي جديد بلا اختبار حقيقي.
هذا هو الطريق القصير نحو تكرار الوداع المبكر من تمهيدي الأبطال. فريق يبتعد عن الاحتكاك القوي في الإعداد، ثم يدخل إفريقيا وهو يظن أنه جاهز، ثم يكتشف أمام أول خصم منظم أن المعسكر لم يكن كافياً، وأن المباريات الودية لم تكشف الحقيقة، وأن المدرب لم يبنِ فريقاً قادراً على المنافسة.
المدرب الذي لم تتم محاسبته بعد الخروج الإفريقي، ولم يُسأل بصرامة بعد ٣٨ مباراة في رواندا و٢٨ مباراة في السودان، سيواصل طلب الوقت. وهذه مشكلة إدارية قبل أن تكون فنية. لأن المدرب دائماً سيبحث عن مساحة بقاء. أما الإدارة، فواجبها أن تسأل: ماذا حقق؟ ماذا تغير؟ ما معيار النجاح؟ ولماذا نمنحه فرصة جديدة إذا كانت المؤشرات لا تقول إن الفريق يتقدم؟
لا يجوز أن يتحول المريخ إلى عقد مفتوح لمدرب يبحث عن أسابيع إضافية ورواتب إضافية بينما يعود الفريق إلى المربع الأول. النادي لا يدفع ثمن فشل المدرب مالياً فقط، بل يدفعه قارياً وجماهيرياً ومعنوياً. الخروج من تمهيدي الأبطال لا يساوي خسارة مباراة، بل يساوي ضياع موسم، وضياع هيبة، وضياع فرصة بناء ثقة.
داركو لم يكن بحاجة إلى مزيد من التمارين ليثبت نفسه. كان بحاجة إلى مواجهة قوية. سيكافا كانت الاختبار الطبيعي بعد كل هذا الزمن. رفضها يعني أن المدرب لا يريد كشف الحقيقة الآن. يريد تأجيلها إلى سبتمبر، حيث لا توجد فرصة كافية للتصحيح.
وهنا تكون الكارثة.
القرار الصحيح في المريخ ليس حماية المدرب من سيكافا، بل حماية المريخ من تكرار الفشل. بعد ٦٦ مباراة وخروج إفريقي مبكر، لم يعد مقبولاً أن يبقى السؤال معلقاً: متى نحاسب؟ متى نقيّم؟ متى نقول إن التجربة لم تنتج ما يكفي؟
المريخ لا يحتاج إلى معسكر يجمّل الصورة. يحتاج إلى اختبار يكشفها. سيكافا كانت ستفعل ذلك، ولذلك جرى الابتعاد عنها.