أخبار الفريق 2026/09/06 5 دقيقة قراءة

عندما تتحول الصفحة التكتيكية إلى منبر للمناكفة.. «الهلال تكتيك» ومسؤولية التأثير في 164 ألف متابع

لم يكن دخول صفحة «الهلال تكتيك – Elhilal Tactic» على خط مباراة المريخ وباور ديناموز مجرد تعليق عابر من مشجع مجهول. نحن أمام صفحة يتابعها نحو 164 ألف حساب، وتقدم نفسها بوصفها مساحة لتحليل مباريات الهلال.

عندما تتحول الصفحة التكتيكية إلى منبر للمناكفة.. «الهلال تكتيك» ومسؤولية التأثير في 164 ألف متابع

 هذا الحجم يمنحها قدرة حقيقية على توجيه النقاش وتثبيت روايات قد يتعامل معها آلاف المتابعين باعتبارها معلومات، حتى عندما تكون في الأصل آراء غير موثقة.

بعد فوز المريخ بهدف دون مقابل، نشرت الصفحة تعليقا وصفت فيه النتيجة بأنها «فوز باهت»، وربطت الانتصار بصافرة الحكم وركلة جزاء اعتبرتها أشبه بالهدية. من حق أي صفحة جماهيرية انتقاد أداء المريخ أو التقليل من مستوى المباراة، لكن المشكلة تبدأ عندما يختلط الرأي الفني بالاتهام التحكيمي، وتقدم المناكفة بوصفها تحليلا.

أين غابت المهنية؟

وصف أداء المريخ بالباهت يمكن قبوله كرأي قابل للنقاش. الفريق لم يقدم مباراة هجومية مكتملة، ولم ينجح في إضافة هدف ثان، وتراجع تأثير عدد من لاعبيه مع مرور الوقت. هذه ملاحظات يمكن دعمها بتفاصيل فنية من المباراة.

لكن الانتقال من نقد الأداء إلى القول إن الفوز جاء بـ«صافرة حكم» وإن ركلة الجزاء كانت «هدية» يحتاج إلى دليل واضح. الصفحة لم تقدم زاوية تصوير حاسمة، ولم تستند إلى تحليل من خبير تحكيمي مستقل، ولم تشرح طبيعة تدخل مدافع باور ديناموز على مهاجم المريخ. اكتفت بإطلاق حكم نهائي يتوافق مع رغبة جمهور منافس في تقليل قيمة الانتصار.

هنا تفقد الصفحة صفتها التحليلية وتتحول إلى جزء من الاستقطاب الجماهيري. التحليل لا يبدأ من النتيجة التي يريد الكاتب الوصول إليها ثم يبحث عن عبارات تؤيدها. التحليل يبدأ من الواقعة، ويفحص الأدلة المتاحة، ويعترف بحدودها قبل إصدار الحكم.

المواد المصورة المتداولة لا تمنح زاوية كافية للجزم بأن القرار صحيح أو خاطئ. كما أن موقع الحكم ووجود لاعبين في مجال رؤيته يفتحان باب النقاش حول دقة تقديره، لكن ضعف زاوية الرؤية المحتملة لا يثبت أن الركلة غير صحيحة، فضلا عن وصفها بأنها هدية متعمدة.

منافسة الهلال والمريخ ليست عذرا

التنافس بين الهلال والمريخ جزء أصيل من كرة القدم السودانية، والسخرية المتبادلة حاضرة في المدرجات والصفحات الجماهيرية. لكن الصفحة التي تستخدم كلمة «تكتيك» في اسمها وتبني جمهورا ضخما حول المحتوى الرياضي لا يمكنها الجمع بين سلطة التحليل ولغة المشجع المنفعل من دون أن تتحمل نتائج هذا الخلط.

إذا اختارت الصفحة أن تكون منبرا للمناكفة، فهذا خيار جماهيري مفهوم، لكن عليها ألا تقدم المناكفة في قالب تحليل فني. وإذا أرادت الاحتفاظ بصورة الصفحة المتخصصة، فعليها الفصل بوضوح بين المحتوى الساخر والمادة التحليلية.

المشكلة ليست في انتقاد المريخ. النقد المهني مطلوب، والمريخ نفسه خرج من الذهاب بنتيجة أفضل من أدائه. المشكلة في محاولة نزع القيمة عن الفوز بالكامل وربطه بالحكم، من دون مناقشة أن المريخ حافظ على شباكه، ومنع باور من ترجمة تحسنه في الشوط الثاني، وخرج بأفضلية قبل مباراة الإياب.

القراءة المتوازنة كانت ستقول إن المريخ حقق فوزا مهما لكنه غير مطمئن، وإن أداءه لم يكن مقنعا في جميع الفترات، وإن ركلة الجزاء أثارت جدلا لا تحسمه الصور المتاحة. أما تحويل المباراة إلى «صافرة حكم» فهو اختزال يخدم المنافسة الجماهيرية ولا يخدم الحقيقة.

عدد المتابعين يضاعف المسؤولية

قد ترد الصفحة بأنها ليست مؤسسة صحفية أو جهة رسمية، بل إنها تشير في تعريفها إلى أنها ليست صفحة خبراء. لكن هذا التنبيه لا يلغي المسؤولية الناتجة عن التأثير.

عندما يصل المحتوى إلى 164 ألف متابع، يصبح أثره أكبر من نية كاتبه. العبارة غير الموثقة قد تنتقل إلى عشرات الصفحات، ثم يعاد نشرها باعتبارها حقيقة. وبعد ساعات يصبح من الصعب التمييز بين ما قاله مشجع متعصب وما أثبته التحليل أو التصوير.

عدد المتابعين ليس دليلا على الجودة أو التخصص، لكنه يفرض حدا أدنى من الانضباط:

  • الفصل بين الخبر والرأي.
  • التمييز بين الشك والاتهام.
  • تقديم الأدلة قبل إصدار الأحكام.
  • عدم استخدام اسم التحليل لتسويق السخرية.
  • توضيح أن الصفحة لا تمثل الموقف الرسمي لنادي الهلال.
  • تصحيح المعلومات إذا ظهرت لقطات أو أدلة تناقض الرواية الأولى.

الصفحة صاحبة الانتشار الواسع لا تملك رفاهية التعامل مع كل منشور كأنه حديث محدود داخل مجموعة صغيرة. تأثيرها يجعلها شريكا في تشكيل الوعي الرياضي، سواء اعترفت بذلك أم لم تعترف.

تأثير سلبي يتجاوز المريخ

هذا النوع من الخطاب لا يضر بالمريخ وحده. عندما تتبنى صفحة هلالية كبيرة اتهاما تحكيميا غير مثبت ضد فريق سوداني في بطولة أفريقية، فإنها تنقل المنافسة المحلية إلى مساحة كان يفترض أن تناقش فيها حظوظ الكرة السودانية ومشكلاتها الفنية.

كما تمنح الخطاب الزامبي المعترض مادة سودانية جاهزة لإعادة الاستخدام. مدرب باور ديناموز اعترض على ركلة الجزاء، وبعض مشجعيه اتهموا الحكم بالتحيز. وعندما تكرر صفحة سودانية واسعة الانتشار الرواية نفسها دون تحليل مستقل، يبدو الأمر كأنه تأكيد من داخل السودان، مع أنه لا يتجاوز تلاقي مصالح جماهيرية مختلفة في التقليل من نتيجة المريخ.

لا يوجد ما يثبت أن منشور الصفحة غير اتجاه النقاش الزامبي فعليا، ولذلك لا يجوز تضخيم أثره خارج الوسط السوداني. لكن إمكانية انتشاره قائمة، خصوصا في بيئة رقمية تنتقل فيها العبارات المثيرة أسرع من التحليلات المتحفظة.

النقد الحقيقي كان متاحا

كانت أمام «الهلال تكتيك» مساحة واسعة لتقديم نقد قوي ومهني للمريخ. كان يمكنها مناقشة تراجع اللياقة، وانخفاض الفاعلية في الشوط الثاني، وعدم استثمار فترات التفوق، وضعف القدرة على تسجيل هدف ثان، والمخاطر التي تنتظر الفريق في ملعب ليفي مواناواسا.

هذه محاور أكثر تأثيرا من السخرية، لأنها تكشف فعلا ما يحتاج المريخ إلى إصلاحه قبل الإياب. كما أنها كانت ستمنح متابعي الصفحة مادة تستحق النقاش، بدلا من دفعهم نحو جدل تحكيمي لا توجد أدلة كافية لحسمه.

النقد المهني لا يعني مدح المنافس، ولا يطلب من صفحة هلالية الاحتفال بفوز المريخ. المطلوب فقط ألا تتحول الخصومة إلى بديل عن التحليل، وألا تقدم الاتهامات غير المثبتة بعبارات تقريرية.

منشور «الهلال تكتيك» لم يكن ضعيفا لأنه انتقد المريخ، بل لأنه اختار النتيجة التي تناسب موقفه الجماهيري ثم صاغ حولها رواية تحكيمية بلا سند كاف. وعندما يصدر هذا الأسلوب من صفحة يتابعها نحو 164 ألف حساب، يصبح القصور أكبر من مجرد سقطة تعبيرية؛ لأنه يحول التأثير الواسع من أداة لرفع الوعي الرياضي إلى وسيلة لإعادة إنتاج التعصب والمعلومات غير المنضبطة.