إذا أردنا معرفة هوريا كوناكري الذي سيقف أمام المريخ، فلا أعتقد أن مشاهدة أهداف مباراة الإياب أمام شبيبة الساورة أو الاكتفاء بنتيجة 3-1 ستعطينا الصورة الصحيحة. النتيجة تقول إن هوريا قلب خسارته في الجزائر وتأهل، لكن تفاصيل المباراتين تقول أكثر من ذلك بكثير.
شاهدنا فريقا يملك الشجاعة للذهاب إلى الأمام، ويستطيع أن يضغط منافسه لفترات طويلة، ولا يفقد إيمانه بالمباراة حتى عندما تضيق عليه الخيارات. وفي الوقت نفسه شاهدنا فريقا يمكن الوصول إلى مرماه، ويمكن إخراجه من توازنه عندما تتجاوز ضغطه الأول وتهاجم المساحة التي يتركها خلفه.
وهذه النقطة تحديدا هي التي يجب أن يبدأ منها المريخ.
مباراة الجزائر لم تكن سيئة لهوريا كما توحي الخسارة
خسر هوريا الذهاب أمام الساورة بهدف دون مقابل. أسامة بن طالب سجل للجزائريين قبل نهاية الشوط الأول، وخرج الساورة بانتصار مهم قبل السفر إلى كوناكري.
لكن من الناحية الفنية لم تكن تلك المباراة نهاية المواجهة بالنسبة لهوريا.
الساورة لم يستطع توسيع الفارق، وهوريا حافظ على شكل المباراة ولم يسمح لها بأن تتحول إلى ليلة جزائرية كبيرة. عاد إلى كوناكري وهو يحتاج إلى هدف واحد فقط لإلغاء ما حدث في الذهاب.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تقول شيئا عن الفريق: هوريا عندما يلعب خارج أرضه يستطيع أن يقبل بفترات يكون فيها أقل حضورا، دون أن يفقد المباراة بالكامل.
أما في كوناكري فالقصة مختلفة.
في ملعب 28 سبتمبر تغير كل شيء
منذ الدقائق الأولى للإياب كان واضحا أن نوحوم دياني لا يريد مباراة انتظار.
هوريا تقدم إلى الأمام، رفع خطه، وضغط على بداية بناء الساورة. لم يكن يريد أن يسمح للفريق الجزائري بالخروج بسهولة أو أخذ الوقت لتمرير الكرة من الخلف.
الهدف كان واضحا: استعادة الكرة في منطقة متقدمة، وإبقاء الساورة بعيدا عن مرمى هوريا قدر الإمكان.
وجاء الهدف الأول مبكرا من ركلة جزاء سجلها ياغوبا غناغنا باري.
من هنا بدأت المباراة الحقيقية.
هوريا ألغى أفضلية الذهاب، والجمهور دخل بقوة في اللقاء، والساورة أصبح مطالبا بالخروج قليلا من مناطقه.
لكن ما حدث بعد ذلك مهم جدا عند تقييم هوريا.
الفريق الغيني لم يستطع استثمار تلك الفترة ليقتل المواجهة.
كان يهاجم، لكنه لم يكن دائما نظيفا في الثلث الأخير. هناك فرق بين الوصول المستمر إلى منطقة الخصم وبين صناعة فرصة حقيقية للتسجيل. هوريا كان قادرا على إبقاء الضغط، لكن اللمسة التي تحول هذا الضغط إلى أهداف لم تكن موجودة باستمرار.
وهذا أعطى الساورة فرصة للبقاء.
عندما تجاوز الساورة الضغط ظهرت المشكلة
أخطر ما خرجت به من المباراتين ليس الأهداف الثلاثة التي سجلها هوريا، وإنما الفرص التي حصل عليها الساورة عندما تمكن من الخروج.
هذه نقطة يجب أن يضعها الجهاز الفني للمريخ تحت خط واضح.
هوريا عندما يضغط يضع عددا كبيرا من لاعبيه أمام الكرة. خطوطه تتحرك إلى الأمام، والمسافة بين مرماه ومجموعة الضغط تصبح أكبر.
إذا استعاد الكرة سريعا، يصبح الأمر مزعجا جدا على المنافس.
لكن إذا كسرت الضغط الأول، تتغير الصورة.
الساورة وصل إلى مساحات جيدة، وتشير التغطية الجزائرية إلى حصوله على مواجهات مباشرة مع حارس هوريا لم يستثمرها.
وهذا يعني أن المساحة موجودة.
المشكلة بالنسبة للساورة لم تكن دائما في الوصول إليها، بل في التعامل معها بعد الوصول.
وهنا يوجد درس مباشر للمريخ.
لا تدخل أمام هوريا وأنت تفكر فقط في كيفية إيقافه. يجب أن تعرف منذ البداية ماذا ستفعل عندما تستعيد الكرة.
إذا كانت كل كرة يستعيدها المريخ ستعود مباشرة إلى دفاع هوريا بتمريرة طويلة عشوائية، فسيعود الضغط مرة أخرى.
بعد خمس ثوان ستكون الكرة أمام منطقة المريخ من جديد.
أما إذا كان هناك لاعب قادر على استلام التمريرة الأولى، ولاعب آخر يتحرك مباشرة خلف الظهير أو في المسافة بين الظهير وقلب الدفاع، عندها يمكن تحويل ضغط هوريا من نقطة قوة إلى مشكلة عليه.
هوريا يحب أن يجعلك تلعب مباراته
هذه واحدة من أهم خصائص الفريق.
هو يريد إيقاعا مرتفعا.
كرة تضيع، التحام، استعادة، هجمة جديدة، عرضية، كرة ثانية، ضغط جديد.
عندما تدخل المباراة في هذا الشكل، يشعر هوريا بالراحة.
خصوصا في كوناكري.
الجمهور يرفع الإيقاع، واللاعبون يتحركون بطاقة أكبر، والمنافس يبدأ تدريجيا في اتخاذ قرارات أسرع مما يجب.
هنا يقع الخطأ.
المريخ لا يحتاج إلى مجاراة هوريا في هذا الجنون.
يحتاج أحيانا إلى قتل الإيقاع بالكرة نفسها.
ثلاث أو أربع تمريرات صحيحة بعد الاستعادة قد تكون أهم من محاولة صناعة هجمة سريعة في كل مرة.
لأنك عندما تحتفظ بالكرة تجبر لاعبي هوريا الذين اندفعوا للأمام على الركض في الاتجاه المعاكس.
وهذه مسألة بدنية ونفسية أيضا.
لا تجعل المنافس يهاجمك بالطريقة التي يحبها طوال المباراة.
هدف الساورة يستحق الدراسة
في الشوط الثاني عاد الساورة وسجل هدف التعادل من كرة ثابتة انتهت برأسية.
لا يمكن من لقطة واحدة إصدار حكم بأن هوريا ضعيف في الكرات الثابتة. هذا سيكون تحليلا متسرعا.
لكن يمكن القول إن هناك موقفا يجب أن يعاد اختباره.
بالنسبة للمريخ، الركنيات والمخالفات الجانبية يمكن أن تكون جزءا أساسيا من المباراة، لا مجرد فرص عابرة.
يجب دراسة طريقة رقابة هوريا داخل المنطقة، تحركات لاعبيه مع الكرة الأولى، ومن يتعامل مع الكرة الثانية خارج منطقة الجزاء.
في مباريات خروج المغلوب قد تحسمك ركلة ثابتة واحدة.
عند 1-1 ظهر هوريا الحقيقي
هذه عندي أهم فترة في المباراة.
عندما سجل الساورة التعادل، تغير كل شيء.
هوريا أصبح خارج البطولة بالنتيجة الموجودة على الملعب.
كان يمكن أن يتوتر الفريق، وأن تتحول هجماته إلى إرسال كرات طويلة بلا حساب.
لكن هذا لم يحدث بالصورة التي توقعها الساورة.
استمر الفريق في الذهاب إلى الأمام، وتحرك الجهاز الفني من مقاعد البدلاء، وظل هوريا يبحث عن المباراة حتى الدقائق الأخيرة.
ثم انهار الساورة.
جاء الهدف الثاني قرب نهاية الزمن الأصلي، ثم الثالث في الوقت بدل الضائع.
في دقائق قليلة تحول هوريا من فريق قريب من الخروج إلى فريق متأهل بنتيجة 3-1.
وهنا يجب احترام هذا الفريق.
ليس لأن النتيجة كبيرة، وإنما لأنه لم يمت عندما أصبحت المباراة ضده.
هناك فرق لديها مهارة أكبر من هوريا لكنها عندما تدخل آخر عشر دقائق وهي مطالبة بهدف تبدأ في فقدان التنظيم واتخاذ القرارات السيئة.
هوريا أمام الساورة احتفظ بإيمانه بأن الفرصة ستأتي.
وقد أتت.
لهذا السبب لا أعتبر 3-1 مقياسا دقيقا للفارق
لو أخذنا النتيجة فقط سنقول إن هوريا تفوق بفارق هدفين.
لكن المباراة لم تكن بهذه البساطة.
قبل الدقائق الأخيرة كان الساورة في موقف يسمح له بالتأهل. كما أن الفريق الجزائري حصل على فرص كان يمكن أن تغير المباراة تماما لو تعامل معها بصورة أفضل.
لذلك لا أرى أن الدرس من مباراة الإياب هو أن هوريا فريق كاسح.
الدرس الحقيقي أنه فريق صعب التخلص منه.
يمكن أن تمنعه لفترة طويلة، ويمكن أن تصل إلى مرماه، لكن إذا أبقيته حيا داخل المباراة سيظل يعود عليك.
وهذا فارق مهم جدا.
أين أرى قوة هوريا؟
أولا في قدرته على اللعب بطاقة عالية أمام جمهوره.
ثانيا في الضغط عندما يشعر بأن المنافس غير مرتاح في إخراج الكرة.
ثالثا في استمراره في إرسال اللاعبين إلى الأمام حتى المراحل المتأخرة.
ورابعا، وهي عندي الأهم، في شخصيته عندما تصبح النتيجة ضده.
هناك أيضا عنصر مهم يتعلق بمقاعد البدلاء. مباراة الساورة أعطت مؤشرا على أن نوحوم دياني يستطيع تغيير شكل المباراة بالتبديلات، لذلك لا يكفي أن يقرأ المريخ التشكيلة الأساسية فقط. يجب أن يعرف أيضا الخيارات التي يمكن أن تدخل عندما يحتاج هوريا إلى هدف.
وأين أرى المشكلة؟
هوريا يدفع ثمنا عندما يبالغ في الاندفاع.
كل لاعب إضافي ترسله إلى الأمام يعني مساحة إضافية يمكن أن تظهر خلفه.
الساورة كشف ذلك لكنه لم يعاقبه كما يجب.
كما أن الفريق عندما يضطر إلى مهاجمة دفاع منظم لفترة طويلة لا تكون كل هجماته بنفس الجودة. أحيانا يتحول التفوق العددي حول المنطقة إلى ازدحام بدلا من أن يصبح فرصة.
هنا يجب أن يكون دفاع المريخ ذكيا.
لا تخرج لمطاردة الكرة بلا سبب.
ولا تنكمش أيضا داخل الست ياردات.
الأفضل أن تحافظ على المسافات بين الوسط والدفاع، وتجبر هوريا على اللعب أمامك بدلا من اللعب خلالك.
مفتاح المريخ سيكون التمريرة التي تأتي بعد افتكاك الكرة
عادة نتحدث عن الافتكاك باعتباره نهاية العمل الدفاعي.
أمام هوريا هو بداية الهجمة.
التمريرتان الأولى والثانية بعد استعادة الكرة ستكونان من أهم تفاصيل المواجهة.
إذا أخطأ المريخ فيهما، سيستعيد هوريا الكرة وهو قريب من المرمى.
إذا نجح فيهما، يمكن أن يجد المريخ أمامه مساحة كبيرة.
لذلك أرى أن اختيار لاعبي الوسط في هذه المباراة يجب ألا يعتمد فقط على قدرتهم على الافتكاك.
تحتاج إلى لاعب يستطيع أخذ الكرة تحت الضغط ورفع رأسه.
وتحتاج إلى حركة أمامه.
لا فائدة من لاعب وسط يجيد الخروج إذا لم يجد أحدا يمرر له.
لا تعط هوريا آخر ربع ساعة
مباراة الساورة يجب أن تكون تحذيرا كافيا.
إذا وصل المريخ إلى الدقيقة 75 بنتيجة جيدة، فلا يعني ذلك أن المهمة انتهت.
بل قد تبدأ أصعب فترة.
الإرهاق يزيد.
المسافات بين اللاعبين تكبر.
التركيز في الكرات الثابتة يقل.
والفريق الذي يحتاج إلى التسجيل يرمي بكل شيء إلى الأمام.
هوريا أثبت أمام الساورة أنه مستعد لذلك.
لهذا يجب أن تكون تبديلات المريخ محسوبة مسبقا لهذه الفترة. وجود لاعب سريع في الأمام خلال آخر عشرين دقيقة يمكن أن يكون وسيلة دفاعية بقدر ما هو خيار هجومي.
لأن هوريا عندما يعرف أن خلفه لاعبا يستطيع الوصول إلى المساحة لن يستطيع دفع الجميع إلى الأمام بلا حساب.
في النهاية.. هذا فريق يمكن أن تؤذيه، لكن لا يمكنك الاطمئنان أمامه
بعد مباراتي الساورة، لا أضع هوريا في صورة الفريق الذي يجب أن يذهب المريخ أمامه للدفاع طوال المباراة، ولا في صورة المنافس الذي يمكن الدخول أمامه بلا حساب.
الحقيقة بين الاثنين.
هوريا قوي عندما تمنحه المباراة التي يريدها: إيقاع مرتفع، ضغط متواصل، كرات ثانية، منافس متراجع وجمهور يشعر بأن الهدف قادم.
ويصبح أقل راحة عندما تجبره على العودة، وتتجاوز أول ضغط له، وتحافظ على الكرة بعد استعادتها، ثم تضرب المساحة التي تركها وراء اندفاعه.
مباراة الساورة كشفت الوجهين في ليلة واحدة.
كشفت هوريا الذي يمكن اختراقه والوصول إلى حارسه.
وكشفت أيضا هوريا الذي كان على بعد دقائق من الإقصاء ثم سجل هدفين وانتزع بطاقة التأهل.
وهذا بالضبط ما يجب أن يفهمه المريخ قبل مواجهته.
المطلوب ليس إيقاف هوريا لمدة ساعة.
المطلوب إدارة المباراة كاملة.
وعندما يندفع هوريا إلى الأمام، لا يكفي أن تنجو من ضغطه.
يجب أن تجعله يدفع ثمن هذا الاندفاع.



