بحسب الخبر المتداول، تلقى المريخ اعتذارًا من غور ماهيا الكيني وسينغيدا بلاك ستارز التنزاني عن عدم خوض مواجهتين وديتين خلال معسكر الفريق في العاصمة الرواندية كيغالي. قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد تعثر طبيعي في ترتيب مباراتين وديتين، لكن عند وضعه ضمن التسلسل الكامل لإعداد المريخ، فإنه يكشف تناقضًا واضحًا في الخطة التي اختارها الجهاز الفني بقيادة داركو نوفيتش.
المريخ كان ضمن الأندية المدعوة للمشاركة في كأس سيكافا للأندية، وهي بطولة تقام في كيغالي من 24 يوليو حتى 7 أغسطس 2026، وتضم عددًا من أقوى أندية شرق ووسط أفريقيا. لكن النادي اعتذر عن المشاركة بناءً على توصية الجهاز الفني، الذي رأى أن إقامة معسكر خاص وتنفيذ برنامج بدني وفني بعيدًا عن ضغط المنافسة يمثل الخيار الأفضل قبل دوري أبطال أفريقيا.
داركو برر القرار بالخوف من الدخول المبكر في مباريات قوية، والمحافظة على اللاعبين من الإصابات، ومنح الجهاز الفني حرية التحكم في الأحمال والدقائق. كما أعلن لاحقًا أن الفريق سيخوض وديات قوية أمام أندية مثل غور ماهيا وسيمبا والجيش الرواندي بعد اكتمال المرحلة البدنية.
لكن ما يحدث الآن يعيد السؤال من جديد: لماذا انسحب المريخ من بطولة تضم هذه الأندية، ثم بدأ بعد ذلك في البحث عن الأندية نفسها لمواجهتها وديًا؟
غور ماهيا لم يكن فريقًا متفرغًا ينتظر طلب المريخ، بل دخل كأس سيكافا ببرنامج رسمي ومباريات محددة، وحقق فوزًا كبيرًا على الجيش الرواندي في بداية مشواره. وسينغيدا بلاك ستارز، حامل لقب النسخة السابقة، دخل البطولة ضمن مجموعة تضم سيمبا وجاموس ومقديشو سيتي، وخاض مباراته الأولى أمام جاموس يوم 25 يوليو.
من الطبيعي أن تمنح هذه الأندية الأولوية لمبارياتها الرسمية، وأن ترفض إضافة مباراة ودية وسط جدول البطولة. فهي مطالبة بالتدريب والاستشفاء والتحضير لمواجهات متقاربة، ولا توجد فائدة فنية تدفعها للمخاطرة بلاعبيها من أجل تنفيذ برنامج المريخ الذي اختار بنفسه الابتعاد عن المنافسة.
هنا تظهر المشكلة الحقيقية في القرار.
كان بإمكان المريخ المشاركة في سيكافا والحصول على مباريات قوية ومضمونة ومنظمة مسبقًا، داخل المدينة نفسها التي يقيم فيها معسكره، ومن دون الحاجة إلى السفر أو البحث عن منافسين أو انتظار موافقة الأندية. البطولة كانت ستوفر الملاعب والتحكيم والجدول والضغط التنافسي، بينما أصبح النادي الآن مطالبًا بالتفاوض مع أندية مشغولة بالبطولة التي انسحب منها.
المريخ لم يرفض سيكافا بسبب بعدها الجغرافي، فالحدث يقام في كيغالي. ولم يرفضها بسبب ضعف المنافسين، لأنه عاد وطلب مواجهة بعض المشاركين فيها. ولم يكن كشفه محدودًا، إذ يضم عددًا كبيرًا من اللاعبين يسمح بالتدوير وتوزيع الدقائق وعدم إرهاق العناصر الأساسية.
إذا كان غور ماهيا مناسبًا لمواجهة المريخ وديًا، فلماذا لم يكن مناسبًا لمواجهته داخل سيكافا؟ وإذا كانت مواجهة سينغيدا مفيدة فنيًا، فلماذا تم اعتبار البطولة نفسها خطرًا على الإعداد؟
الاختلاف الوحيد أن البطولة تضع المدرب تحت ضغط النتيجة وتكشف مستوى الفريق بصورة واضحة، بينما تمنحه المباراة الودية حرية إجراء التغييرات والتعامل مع النتيجة باعتبارها غير مهمة. لكن المريخ لا يستعد لموسم تجريبي، بل لدوري أبطال أفريقيا، حيث لا توجد تبديلات مفتوحة ولا إمكانية لإيقاف المباراة لتصحيح الأخطاء.
اعتذار الفريقين، متى ما تأكد رسميًا، لا يمثل خطأ من غور ماهيا أو سينغيدا، بل نتيجة متوقعة لسوء ترتيب الأولويات. الأندية دخلت البطولة وحددت برامجها، بينما انسحب المريخ ثم بدأ يبحث عن منافسين في الوقت الذي أصبح فيه الجميع مرتبطًا بالمنافسة.
الإعداد الاحترافي لا يقوم على إعلان أسماء كبيرة قبل تأكيد المباريات. لا يكفي أن يقول المدرب إنه سيواجه غور ماهيا وسيمبا والجيش الرواندي، ثم يتضح أن تلك الأندية لديها التزامات أخرى. البرنامج يجب أن يتضمن اتفاقات مكتملة، وتواريخ محددة، وملاعب وحكامًا، وخيارات بديلة جاهزة.
المشكلة أصبحت أكبر من مباراتين وديتين. المريخ ضحى ببطولة كاملة من أجل برنامج خاص، وأصبح نجاح هذا البرنامج مسؤولية مباشرة للجهاز الفني والإدارة. أي نقص في عدد المباريات أو ضعف في مستوى المنافسين لن يكون ظرفًا مفاجئًا، بل نتيجة لخيار اتخذه النادي بإرادته.
داركو أراد إعدادًا يستطيع التحكم فيه، لكنه يكتشف الآن أن التحكم لا يشمل الأندية الأخرى. يستطيع تحديد مواعيد تدريبات المريخ، لكنه لا يستطيع إجبار غور ماهيا أو سينغيدا على تعديل برامجهما. يستطيع رفض سيكافا، لكنه لا يستطيع ضمان أن تمنحه أندية سيكافا مباريات بديلة حين يحتاج إليها.
المريخ خرج من المنافسة المنظمة بحثًا عن إعداد أكثر هدوءًا، ثم عاد يطرق أبواب المشاركين فيها للحصول على الاحتكاك الذي كان متاحًا أمامه منذ البداية. وإن استمر تعثر المباريات القوية، فسيصل الفريق إلى دوري الأبطال بعد معسكر طويل في الزمن، لكنه قصير في الاختبارات الحقيقية.